تشهد النظم التعليمية الحديثة تحولاً متسارعاً نحو تبني التعليم الشامل، التزاماً بالاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (UNCRPD) التي صادقت عليها سويسرا عام 2014. وقد فرض هذا التحول إعادة النظر في آليات دعم الطلاب ذوي صعوبات النطق واللغة والتواصل داخل الفصول الدراسية العادية، حيث لم يعد بالإمكان الاعتماد على تخصص واحد لمعالجة احتياجات معقدة ومتداخلة. في هذا السياق، برزت الممارسة المهنية المشتركة (Interprofessional Practice – IPP) كضرورة تربوية وليست خياراً تنظيمياً.
تُعرّف الجمعية الأمريكية للنطق واللغة والسمع (ASHA) هذه الممارسة بأنها تعاون منظم بين مجموعة من المهنيين، يساهم كل منهم بخبرته التخصصية في بناء خطة تقييم وعلاج تتمحور حول الطالب وأسرته. إلا أن هذا التعاون لا يقتصر على تنسيق الجهود، بل يتجاوز ذلك إلى ما يُعرف بـ “التآزر العابر للتخصصات”، حيث تندمج الممارسات التربوية والعلاجية في إطار واحد يهدف إلى إزالة العوائق اللغوية وتعزيز فرص التعلم.
يتطلب نجاح هذا النموذج فهماً دقيقاً لتكامل الأدوار المهنية. فمعلمو التعليم العام يركزون على توظيف اللغة كأداة للتعلم والتفكير داخل الصف، رغم أن تدريبهم على العمل التشاركي غالباً ما يكون محدوداً. في المقابل، يمتلك معلمو التربية الخاصة تكويناً أكاديمياً أكثر عمقاً في مجال التعاون المهني، مما ينعكس على قدرتهم على دمج الدعم اللغوي في العملية التعليمية اليومية. أما أخصائيو النطق واللغة، فيركزون على التدخلات العلاجية الدقيقة المبنية على تشخيص متخصص، غير أن تدريبهم غالباً ما يميل إلى العمل الفردي أكثر من العمل الجماعي.
لفهم مدى تبني هذه الممارسات، يبرز نموذج “التوقع-القيمة” كإطار تفسيري مهم، حيث يعتمد انخراط المهنيين في التعاون على عاملين رئيسيين: مدى اعتقادهم بقدرتهم على النجاح في هذا التعاون، ومدى إدراكهم لقيمته. وتتجلى هذه القيمة في أربعة أبعاد أساسية تشمل الاهتمام الشخصي، والتكاليف المرتبطة بالوقت والجهد، والفوائد المهنية، وأثر التعاون على تعلم الطلاب.
وقد أظهرت الدراسات التطبيقية في الولايات المتحدة الامريكية الى وجود فروق واضحة بين الفئات المهنية في إدراك هذه القيمة. فقد سجل معلمو التربية الخاصة أعلى مستويات القناعة بأهمية التعاون، وهو ما يعكس تأثرهم بتكوينهم الأكاديمي الذي يعزز العمل الجماعي كجزء من هويتهم المهنية. في المقابل، يميل معلمو التعليم العام إلى أشكال تعاون محدودة ومنخفضة التكلفة، حفاظاً على استقلالية الصف الدراسي. أما أخصائيو النطق واللغة، فقد أبدوا تحفظاً أكبر، نتيجة إدراكهم لارتفاع التكاليف الزمنية والجهدية، وتفضيلهم لنماذج العمل الفردي خارج الصف.
وتكشف تحليلات الدراسات الى أن إدراك قيمة التعاون يتأثر بعدة عوامل، أبرزها الكفاءات الذاتية في التواصل والعمل الجماعي، حيث يرتبط الشعور بالكفاءة بارتفاع تقدير قيمة التعاون. كما تلعب المرحلة الدراسية دوراً مهماً، إذ تكون الممارسة المشتركة أكثر فاعلية في المراحل المبكرة، بينما تتراجع في المراحل الثانوية بسبب تعقيد البنية التعليمية وزيادة التخصص. ومن اللافت أيضاً وجود علاقة عكسية بين عمر أخصائيي النطق وتقديرهم لفوائد التعاون، حيث يميل الأصغر سناً إلى تبني مواقف أكثر إيجابية.
وفي سياق تفنيد بعض التصورات الشائعة، تبين أن العوائق اللوجستية مثل كثافة الحالات أو تعدد المدارس لا تمثل العامل الحاسم في ضعف التعاون، بل إن المسألة ترتبط في جوهرها بالفلسفة المهنية السائدة لدى كل فئة، وكيفية توزيع الجهد بين العمل الفردي والعمل التشاركي.
انطلاقاً من هذه المعطيات، تبرز الحاجة إلى تطوير سياسات تعليمية تدعم الممارسة المهنية المشتركة من خلال دمجها في برامج إعداد المعلمين وأخصائيي النطق، مع تصميم نماذج تعاون مرنة تتناسب مع خصوصية المراحل الدراسية المختلفة، وخاصة في التعليم الثانوي. كما يتطلب الأمر إعادة تشكيل التصورات المهنية، بما يعزز الانتقال من نموذج العمل الفردي إلى نموذج الشراكة التربوية.

أضف تعليق