من القياس التقني إلى القياس التحويلي
عندما نتحدث عن مؤشرات لقياس الشمول، فإننا لا نتحدث عن أرقام فحسب، بل عن افتراضات ضمنية حول ما نعتبره “نجاحًا” في التعليم.
القياس ليس محايدًا.
المؤشرات ليست بريئة.
وما نختار أن نقيسه يعكس رؤيتنا للعدالة.
تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية -Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD) إلى أن تطوير مؤشرات للشمول يجب أن يتجاوز جمع البيانات، ليصبح عملية تصميم واعٍ تعكس أولويات النظام التعليمي وقيمه . فالمؤشرات لا تُستخدم فقط للمساءلة، بل لإعادة توجيه الانتباه المؤسسي نحو ما يستحق القياس.
أولًا: لماذا لا تكفي المؤشرات العامة؟
عبارات مثل:
“مدرستنا شاملة”
أو
“نحن ندعم جميع الطلاب”
هي عبارات معيارية أخلاقية، لكنها غير قابلة للتحقق.
الشمول، إذا لم يُفكك إلى عناصر قابلة للقياس، يتحول إلى مفهوم رمزي أكثر منه عملي.
ومن هنا تأتي أهمية تصميم مؤشرات وفق معايير دقيقة، مثل إطار SMART، لكن ليس بوصفه وصفة إجرائية، بل بوصفه أداة لضبط العلاقة بين الفكرة والواقع.
المؤشر المحدد: تفكيك العموميات
القول بأن المدرسة “تدعم التنوع” لا يخبرنا شيئًا عن كيفية تجسيد هذا الدعم.
المؤشر المحدد يطرح سؤالًا دقيقًا:
- ما نسبة الطلاب الذين يشعرون بالانتماء؟
- ما الفجوة في التحصيل بين الفئات؟
- كم عدد الحالات التي تتلقى دعمًا فرديًا؟
التحديد هنا ليس مجرد دقة لغوية، بل هو انتقال من الخطاب إلى البنية.
المؤشر القابل للقياس: تحويل القيم إلى بيانات
الشمول قيمة أخلاقية،
لكن لا يمكن حمايته دون بيانات.
القياس لا يعني اختزال التجربة الإنسانية،
بل يعني توفير دليل يسمح بتحديد مواضع الخلل.
على سبيل المثال:
بدلًا من القول إن هناك “مشكلة تنمر”،
يمكن قياس:
- نسبة الطلاب الذين أبلغوا عن شعورهم بعدم الأمان
- عدد الحوادث المسجلة
- الفروق بين الفئات
القياس هنا لا يحوّل القضية إلى رقم،
بل يمنحها قوة تنظيمية.
المؤشر القابل للتحقيق: تجنب الطموح الرمزي
أحد أخطر أشكال القياس هو وضع أهداف مثالية لا يمكن تحقيقها.
“القضاء الكامل على الفجوات”
قد يبدو هدفًا نبيلًا،
لكن دون خطة واقعية يصبح شعارًا.
المؤشر القابل للتحقيق لا يقلل من الطموح،
بل يربطه بسياق زمني وتنفيذي.
المؤشر المرتبط بالسياسة: من الرقم إلى القرار
تشدد OECD على أن المؤشرات ينبغي أن تكون ذات صلة بالسياسات التعليمية الفعلية
إذا لم يكن المؤشر مرتبطًا بإجراء يمكن اتخاذه،
فهو مجرد معلومة.
على سبيل المثال:
تحليل الفجوات في التحصيل يصبح ذا معنى
إذا كان مرتبطًا بإعادة توزيع الموارد أو تطوير برامج دعم.
المؤشر الفعال هو الذي يقود إلى قرار.
المؤشر المحدد زمنيًا: رصد التحول لا اللحظة
الشمول ليس حالة ثابتة،
بل عملية مستمرة.
لذلك فإن المؤشرات ينبغي أن تسمح بتتبع التغير عبر الزمن:
- هل تقل الفجوات؟
- هل يتحسن الشعور بالانتماء؟
- هل تتراجع معدلات الإقصاء؟
المؤشر الزمني يحول القياس إلى أداة متابعة ديناميكية.
الشمول كمشروع معرفي
في النهاية، تصميم مؤشرات للشمول ليس مجرد ممارسة إدارية،
بل هو مشروع معرفي يعيد تعريف ما يعنيه النجاح التعليمي.
حين نختار أن نقيس:
- الشعور بالأمان
- الإقصاء غير المرئي
- الفروق بين الخلفيات الاجتماعية
- التمثيل في البرامج المتقدمة
فنحن نعلن أن هذه الجوانب ليست هامشية، بل مركزية.
القياس هنا يصبح أداة عدالة.
تغريد الحازمي

أضف تعليق