المقدمة
يُعدّ إتقان مهارات القراءة والكتابة من الركائز الأساسية لنجاح الطلاب في البيئة التعليمية، خاصةً أولئك الذين يواجهون صعوبات في التواصل أو اضطرابات اللغة. ويشكّل أخصائيّو التخاطب (SLPs) عنصرًا جوهريًا في دعم هذه المهارات، ليس فقط عبر التدخل الفردي التقليدي، بل أيضًا من خلال الممارسة بين التخصصات (Interprofessional Practice – IPP)، التي تتيح تعاونًا حقيقيًا بين الأخصائيين والمعلمين ومقدّمي الخدمات الآخرين.
تهدف هذه المقالة إلى تعريف أخصائي التخاطب بمفهوم الممارسة بين التخصصات، عرض النماذج التطبيقية في المدارس، واستعراض استراتيجيات يمكن توظيفها عمليًا لتعزيز مهارات القراءة والكتابة لدى الطلاب.
أولاً: مفهوم الممارسة بين التخصصات (IPP)
الممارسة بين التخصصات هي إطار تنظيمي يهدف إلى تنسيق العمل التعاوني بين مجموعة من المهنيين (أخصائي التخاطب، المعلم، أخصائي التربية الخاصة، الأخصائي الاجتماعي، وحتى الأسرة). يتجاوز هذا الإطار حدود الاجتماعات التقليدية أو تبادل الرسائل، إذ يقوم على تخطيط مشترك، حل المشكلات جماعيًا، وتصميم التدخلات التعليمية بشكل متكامل.
يؤكد الأدب التربوي أن هذا النمط من التعاون يرفع من احتمالية نجاح الطلاب أكاديميًا وسلوكيًا، كما يزيد من رضا المهنيين عن عملهم، نظرًا لشعورهم بأن جهودهم تتكامل مع جهود زملائهم لتحقيق هدف مشترك.
ثانياً: لماذا يُعدّ التعاون ضرورياً في دعم محو الأمية؟
1. الأدلة البحثية
- أظهرت الدراسات أن التعاون بين التخصصات يساهم في تحسين نتائج تعلم القراءة والكتابة (McCutchen et al., 2002؛ Piasta et al., 2009).
- تؤكد جمعية التخاطب والسمع الأمريكية (ASHA, 2010) أن مشاركة الأخصائيين في خطط التدريس داخل الصفوف تعتبر من أفضل الممارسات في المدارس.
2. التوافق مع الأطر التعليمية الحديثة :
يدعم IPP أطرًا حديثة مثل:
- نظام التدخلات متعددة المستويات (MTSS): يوفّر مستويات متدرجة من الدعم (صف كامل – مجموعات صغيرة – تدخل فردي) بهدف منع الفشل الأكاديمي المبكر.
- الاستجابة للتدخل (RTI) والدعم السلوكي الإيجابي (PBIS)، والتي تعتمد جميعها على التعاون واتخاذ القرارات بناءً على بيانات دقيقة.
ثالثاً: التحديات العملية
رغم وضوح فوائد IPP، إلا أن تطبيقه في الواقع المدرسي يواجه صعوبات، منها:
- ضعف التدريب الأولي: 56% فقط من أخصائي التخاطب في المدارس ذكروا أنهم تلقوا تدريبًا على العمل ضمن فرق متعددة التخصصات.
- ضيق الوقت وكثرة الأعباء في جداول الأخصائيين والمعلمين.
- ضعف وعي بعض الإدارات التعليمية بأهمية هذا النوع من التعاون.
رابعاً: أدوار أخصائي التخاطب والمعلم في الفريق
أخصائي التخاطب (SLP)
- يمتلك خبرة في وضعيات النطق الصحيحة وكيفية ربطها بالوعي الصوتي.
- يقدّم استراتيجيات علاجية متقدمة (مثل دمج الإيماءات الفموية والمرايا وصور الفم لتصحيح إنتاج الأصوات).
- يضمن أن الطلاب لا يتعلمون الأصوات فقط بل ينتجونها بدقة داخل الأنشطة الصفية والأنشطة العلاجية.
المعلم/أخصائي التربية الخاصة
- يوفّر معرفة دقيقة بسلوكيات الطلاب وحاجاتهم اليومية داخل الصف.
- يدمج الأهداف اللغوية ضمن الأنشطة الأكاديمية مثل القراءة المشتركة أو التجارب العملية.
- يسهم في تعميم المهارات عبر الأنشطة اليومية، مما يعزز الاستمرارية بين غرفة الصف وغرفة التخاطب.
خامساً: استراتيجيات عملية لتطبيق IPP في دعم محو الأمية
1. دمج الوعي الصوتي مع وضعيات النطق
- النشاط: استخدام بطاقات الحروف مثل برنامج(Fundations ) مع صور ومرايا.
- الهدف: تعزيز الربط بين الصوت والحرف (Orthographic Mapping)، وتقوية مهارات التجزئة والدمج الفونيمي.
- دور الأخصائي: تدريب الطلاب على وضعيات اللسان والشفتين لإنتاج الصوت الصحيح أثناء الأنشطة الجماعية.
2. تعزيز الوعي الصوتي المتقدم
- تشمل أنشطة معقدة مثل حذف الأصوات أو استبدالها.
- دور الأخصائي: التأكد من أن الطلاب ينتجون الأصوات بدقة أثناء الأنشطة، وتدريب المساعدين التربويين على تطبيق التدريبات القصيرة.
3. تعليم المفردات عبر القراءة المشتركة
- استخدام برنامج مثل Making Meaning لتعليم استراتيجيات الفهم ومفردات المستوى الثاني (Tier 2).
- الخطوات:
- قراءة النص مرتين في بداية الأسبوع مع التركيز على الفهم.
- اختيار كلمة أكاديمية واحدة وتعليمها عبر أنشطة عملية وتجريبية (مثلاً تجربة نفخ البالونات).
- تعزيز الكلمة بأنشطة لعب مثل لعبة “هذا أو ذاك” أو التمثيل الصامت.
- دور الأخصائي: إدخال الكلمة ضمن أهداف التخاطب الفردية وربطها بجمل وصور، مع التركيز على إنتاجها وفهمها.
4. أنماط التدريس التعاوني
- التدريس الثنائي (Team Teaching): يتشارك المعلم والأخصائي في شرح الدرس أمام الطلاب.
- التدريس الموازي (Parallel Teaching): تقسيم الصف إلى مجموعتين يعمل مع كلٍ منها متخصص.
- التدريس التفاضلي (Differentiated Teaching): المعلم يركز على المحتوى الأكاديمي، والأخصائي يركز على أهداف النطق واللغة.
- التدريس بالمحطات (Station Teaching): الطلاب يتنقلون بين محطات يديرها الأخصائي والمعلم.
سادساً: توصيات مهنية لأخصائي التخاطب
- ابدأ تدريجيًا: خصص وقتًا قصيرًا مع معلم متعاون ثم وسّع التجربة.
- ابنِ لغة مشتركة: اتفق مع المعلم على استخدام مصطلحات موحّدة (مثل الحركات اليدوية للوعي الصوتي).
- استثمر التكنولوجيا: استخدم Google Drive أو منصات رقمية لتخزين الأنشطة والمواد المشتركة.
- شارك الأسر: إبلاغ أولياء الأمور بالمفردات والأنشطة يسهل التعميم في المنزل.
- أظهر النتائج للإدارة: عرض الدروس التعاونية خلال زيارات المشرفين أو التقييمات يساعد في كسب دعم الإدارة.
الخاتمة
تُظهر التجارب الميدانية أن الممارسة بين التخصصات ليست مجرد إطار تنظيمي، بل هي ثقافة تعاون تفتح المجال أمام أخصائي التخاطب ليصبحوا جزءًا محوريًا من العملية التعليمية. إن دمج خبراتهم في مجالات النطق واللغة مع استراتيجيات المعلمين في الفهم القرائي والمفردات يؤدي إلى دعم الطلاب بطرق شمولية، ويُسهم في بناء بيئة تعليمية أكثر شمولًا وعدلاً.
إن نجاح هذا النموذج يتطلب مرونة، استثمارًا في بناء العلاقات، واستعدادًا لتجريب أساليب جديدة، لكنه في المقابل يعود بفوائد طويلة المدى على الطلاب والمهنيين معًا.
Taghreed Alhazmi
المراجع
American Speech-Language-Hearing Association. (2010). Roles and responsibilities of speech-language pathologists in schools. https://www.asha.org/SLP/schools/prof-consult/guidelines/
American Speech-Language-Hearing Association. (n.d.). What is Interprofessional Practice (IPP)? https://www.asha.org/practice/ipe-ipp/what-ipp/
McCutchen, D., Abbott, R. D., Green, L. B., Beretvas, S. N., Cox, S., Potter, N. S., Quiroga, T., & Gray, A. L. (2002). Beginning literacy: Links among teacher knowledge, teacher practice, and student learning. Journal of Learning Disabilities, 35(1), 69–86. https://doi.org/10.1177/002221940203500106 Piasta, S. B., Connor, C. M., Fishman, B. J., & Morrison, F. J. (2009). Teachers’ knowledge of literacy concepts, classroom practices, and student reading growth. Scientific Studies of Reading, 13(3), 224–248. https://doi.org/10.1080/10888430902851364

أضف تعليق