تُعدّ القراءة مهارة أساسية لنمو الطفل وتفاعله مع العالم، ولكن تعليمها للأطفال ذوي التوحد قد يمثل تحديًا يتطلب نهجًا خاصًا ومصممًا ليناسب احتياجاتهم الفريدة. إن الأطفال ذوي التوحد غالبًا ما يمتلكون أساليب تعلم مميزة، تتطلب من المعلمين وأولياء الأمور تبني استراتيجيات مرنة ومبتكرة لضمان تحقيق أقصى استفادة من عملية التعلم.
الاستفادة من التعلم البصري والحسي
يعتمد العديد من الأطفال ذوي التوحد على التعلم البصري المكاني بشكل كبير. لذا، فإن دمج أدوات تعليم الوسائط المتعددة يصبح أمرًا حيويًا في عملية تعليم القراءة. يمكن استخدام البطاقات المصورة، مقاطع الفيديو التعليمية، واللوحات المغناطيسية التي تحتوي على أحرف متحركة لتقديم المفاهيم بشكل ملموس وجذاب. هذه الأدوات لا تجذب انتباه الطفل فحسب، بل تساعده أيضًا على ربط الكلمات بالصور والمعاني، مما يعزز الفهم والاستيعاب.
بالإضافة إلى ذلك، فإن استخدام التقنيات الحسية المتعددة يعد ضروريًا، حيث لا يتعلم جميع الأطفال ذوي التوحد بنفس الطريقة. يجب أن تشمل الدروس الجوانب البصرية والسمعية واللمسية. على سبيل المثال، يمكن استخدام ألواح مغناطيسية مع أحرف قابلة للتحريك للمتعلمين البصريين والحركيين. أما المتعلمون السمعيون فيستفيدون من التعليمات الشفهية والمناقشات، بينما يستوعب المتعلمون اللمسيون المعرفة بشكل أفضل عند لمس الأشياء والتلاعب بها. يمكن أن يشمل ذلك تشكيل الحروف في الرمل أو الأرز، أو تتبع شكل الحرف على سطح ذي نسيج مثل ورق الصنفرة أو المخمل. هذه الأنشطة الحسية لا تعزز التعلم فحسب، بل تساعد أيضًا في تنمية المهارات الحركية الدقيقة التي قد تكون صعبة على بعض الأطفال ذوي التوحد.
تبسيط المنهج وتقديم تعليم مباشر
لضمان فعالية التعليم، من الضروري تقسيم تعليم القراءة إلى أجزاء يمكن التحكم فيها. يجب أن تكون الدروس قصيرة ومكثفة، مع فترات راحة كافية بينها لتجنب الإرهاق. يساعد هذا التقسيم في الحفاظ على انتباه الطفل وتجنب تشتت الانتباه.
يعتمد التدريس المباشر على تقديم الدروس بتسلسل دقيق وواضح. يتم إخبار الطالب بالضبط بما يحتاج إلى معرفته، وتتضمن كل حصة قراءة أو تهجئة ثلاث خطوات بسيطة: مراجعة ما تم تعلمه في اليوم السابق، تدريس مفهوم واحد جديد، وممارسة قصيرة للمفهوم الجديد. هذا النهج المنظم يضمن بناء المعرفة بشكل تدريجي، حيث يبنى كل درس على ما تعلمه الطالب في الدروس السابقة، مما يضمن عدم وجود فجوات في الفهم.
بالإضافة إلى ذلك، يجب التركيز على المفاهيم التدريجية، حيث يتم تقسيم كل مهارة إلى أبسط خطواتها، ثم يتم تدريس الدروس بترتيب منطقي، ينقل الطفل من مفهوم أو مهارة إلى أخرى. يجب أن تبنى كل خطوة على الخطوات التي أتقنها الطفل بالفعل. وعند تعليم الأطفال الحروف، يجب البدء بالحروف الصوتية، وتدريس أسهلها للتعلم والتي يمكن استخدامها على الفور، مثل “م”، “س”، “ب”، و “أ”. تعليم مفهوم واحد في كل مرة يحترم قدرة الطفل على الاستيعاب ويساعد على ترسيخ التعلم.
توفير أمثلة ملموسة وهيكل يمكن التنبؤ به
يواجه الأطفال ذوو التوحد غالبًا صعوبة في معالجة الأفكار المجردة. لذا، فإن توفير أمثلة ملموسة يعد أمرًا بالغ الأهمية. يمكن استخدام مربعات الحروف المرمزة بالألوان كأمثلة ملموسة لمفاهيم القراءة والتهجئة. هذه المربعات تساعد الطفل على فهم العملية دون إرهاقه بشروحات لفظية طويلة.
يعد الحفاظ على هيكل منظم ويمكن التنبؤ به أمرًا حيويًا للأطفال ذوي التوحد، حيث يوفر لهم شعورًا بالأمان والراحة. الروتين المتوقع يقلل من القلق ويساعد الطفل على التركيز على التعلم بدلاً من التوتر بشأن ما سيأتي بعد ذلك.
تحفيز التقدم ومكافأة الجهود
لا يمكن إغفال أهمية مكافأة تقدم الطفل. يجب أن تعتمد الدروس على الإتقان، وأن تتضمن طريقة مرئية للطفل لتمييز تقدمه، مثل لوحة يمكنه لصق النجوم عليها لكل درس يتم تعلمه. يجب أيضًا استخدام كلمات التشجيع في كل خطوة على الطريق، فعبارات بسيطة مثل “عمل رائع!” أو “أحسنت!” أو “ممتاز!” تقطع شوطًا طويلاً في بناء الثقة بالنفس واحترام الذات لدى الأطفال، وتحفزهم على مواصلة التعلم.
باختصار، يتطلب تعليم القراءة للأطفال ذوي التوحد نهجًا شاملاً يدمج التعلم البصري والحسي، ويتبنى التدريس المباشر والمفاهيم التدريجية، ويوفر أمثلة ملموسة وهيكلًا منظمًا، مع التركيز على التحفيز والمكافأة. من خلال هذه الاستراتيجيات، يمكننا أن نفتح أمام أطفالنا ذوي التوحد عالم القراءة الواسع، ونمكنهم من تحقيق إمكاناتهم الكاملة.
المصدر:
https://blog.allaboutlearningpress.com/teach-reading-autistic-child/
تغريد الحازمي

أضف تعليق