تعزيز التواصل الاجتماعي لدى الأطفال ذوي التوحد

by

يُعدّ التواصل الاجتماعي حجر الزاوية في التطور البشري، فهو يمكننا من بناء العلاقات، التعبير عن الذات، وفهم العالم من حولنا. بالنسبة للأطفال ذوي التوحد، قد يمثل هذا الجانب تحديًا فريدًا، حيث تتأثر قدرتهم على التفاعل الاجتماعي واللفظي وغير اللفظي. ولكن، مع الفهم العميق والتدخلات المناسبة، يمكننا أن نساعد هؤلاء الأطفال على تحسين مهاراتهم في التواصل الاجتماعي، مما يفتح لهم آفاقًا جديدة للتفاعل والمشاركة في مجتمعاتهم.

فهم التحديات

غالباً ما تظهر تحديات التواصل الاجتماعي لدى أطفال التوحد في صعوبة فهم الإشارات الاجتماعية غير اللفظية مثل تعابير الوجه ولغة الجسد ونبرة الصوت. قد يجدون صعوبة في بدء المحادثات أو الحفاظ عليها، وفهم النكت أو التعبيرات الاصطلاحية. كما أنهم قد يفضلون اللعب الفردي أو يتفاعلون بطرق قد تبدو غير تقليدية للآخرين. من المهم أن نتذكر أن هذه السلوكيات ليست رفضًا للتواصل، بل هي تعبير عن صعوبات يواجهونها في فهم وتطبيق القواعد الاجتماعية المعقدة.

استراتيجيات لدعم التواصل الاجتماعي

لتحسين التواصل الاجتماعي لدى الأطفال ذوي التوحد، يجب أن نتبع نهجًا شموليًا يركز على الفهم والدعم المستمر:

 * بيئة تعليمية غنية ومحفزة: يجب أن توفر البيئة فرصًا للأطفال لاستكشاف اهتماماتهم وتطوير فهمهم للعالم من حولهم. عندما تكون الأنشطة شيقة وجذابة، يزداد مستوى مشاركة الطفل واندماجه في العملية التعليمية.

 * دور الكبار كشركاء في التعلم: يجب أن يتجاوز دور المعلم أو ولي الأمر مجرد إعطاء الأوامر. بدلاً من ذلك، يجب أن نكون رفاقًا للطفل في رحلة اكتشاف المعرفة. هذا يتطلب أن نكون “متناغمين” مع الطفل، وأن نفهم تجربته من وجهة نظره، وليس فقط من منظورنا كبالغين. عندما نكون متحمسين للنشاط، فإن الأطفال يميلون إلى مشاركتنا هذا الحماس.

 * تكسير المهارات إلى خطوات صغيرة: مثل أي مهارة معقدة، يمكن تقسيم التواصل الاجتماعي إلى خطوات أصغر يمكن ممارستها وتعلمها بشكل فردي. على سبيل المثال، يمكن تقسيم عملية المشاركة في “وقت القصة” إلى خطوات مثل “الذهاب إلى منطقة القصة”، “إيجاد مكان للجلوس”، و”الجلوس بهدوء”. هذا النهج “يمكنني أن أفعل” (Can do) يساعد في تحديد القدرات الحالية للطفل والخطوات التالية الواقعية.

 * التركيز على التواصل غير اللفظي: بما أن نسبة كبيرة من التواصل تتم بشكل غير لفظي (85-95%)، يجب أن نولي اهتمامًا كبيرًا لتعبيرات الوجه، لغة الجسد، ونبرة الصوت. يجب أن نتأكد من أن رسالتنا اللفظية وغير اللفظية متناسقة. يمكن استخدام الصور، العرائس، وقصص للتدرّب على فهم وإنتاج هذه الإشارات.

 * تعليم اللغة الاجتماعية: يجب تعليم الأطفال الكلمات والعبارات المناسبة للاستخدام في المواقف الاجتماعية المختلفة، مثل طلب الإذن باللعب، أو التعبير عن عدم الرغبة في الاستمرار في نشاط معين. يمكن عمل عروض مصورة لهذه العبارات مع صور الأطفال وهم يستخدمونها.

 * تحويل النزاعات إلى فرص تعليمية: النزاعات جزء طبيعي من التفاعل البشري. بدلاً من رؤيتها سلبية، يمكن أن نعتبرها فرصًا لتعليم الأطفال مهارات حل المشكلات. يمكن استخدام خطوات محددة لحل النزاعات: “أخبرني ماذا حدث”، “ماذا تعتقد أنك قلت؟”، “هل هذا صحيح؟”، “كيف يمكننا حلها؟”، “ماذا يمكننا أن نفعل بشكل مختلف في المرة القادمة؟”، و”ماذا سنفعل الآن؟”.

 * تشجيع التفكير التأملي والمرونة والموارد: الأطفال يحتاجون إلى تطوير القدرة على التفكير في ما حدث، فهم أنه ليس نهاية العالم عندما تسوء الأمور، والقدرة على إيجاد حلول بديلة.

 * التشجيع والتعزيز الإيجابي: يجب أن نركز على تعزيز السلوكيات الإيجابية وتقديم التغذية الراجعة الإيجابية بشكل مستمر. الثناء المحدد والمناسب لعمر الطفل هو المفتاح.

العمل كفريق

تتطلب تنمية المهارات الاجتماعية لدى الأطفال ذوي التوحد جهدًا جماعيًا. يجب أن يعمل الوالدين، معلمي التربية الخاصة، أخصائيي النطق، وجميع العاملين مع الطفل بتنسيق وتفاهم مشترك. تبادل الملاحظات، الأهداف، والاستراتيجيات يضمن حصول الطفل على رسائل متسقة ودعم فعال في جميع البيئات. هذا التعاون يتيح للجميع فرصة لتعلم كيفية التكيف مع احتياجات الطفل المتغيرة وتقديم أفضل دعم ممكن.

في الختام، إن رحلة تعزيز التواصل الاجتماعي لدى الأطفال ذوي التوحد هي رحلة مستمرة تتطلب الصبر، الفهم، والالتزام. من خلال تطبيق هذه الاستراتيجيات والعمل كفريق واحد، يمكننا أن نحدث فرقًا إيجابيًا وملموسًا في حياة هؤلاء الأطفال، وتمكينهم من تحقيق أقصى إمكاناتهم في التواصل والتفاعل مع العالم.

المراجع

Mathieson, K. (2005). Social Skills in the Early Years: Supporting Social and Behavioural Learning. Paul Chapman Publishing.